7 نوفمبر 2014 - 21:02
«آية الله قاسم»: الحادث الإرهابي في مدينة الإحساء السعودية من أمقت ألوان العدوان الجاهلي

قال عالم الدين البحريني «آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم» إن "الحادث الإرهابي الآثم في الإحساء الذي استهدف المشاركين في مجلس تعزية أبي عبدالله الحسين “عليه السلام” سبط الرسول الأعظم “صلى الله عليه وآله”، وحصد من حصد من الأرواح المؤمنة البريئة وجرح من جرح، هو من أمقت ألوان العدوان الجاهلي حيث لا خلفية من دينٍ ولا عقلٍ ولا ضمير إنساني، ولا عقلانيةٍ لهذه الجريمة البشعة، وهي واحدة من سلسلة طويلة متكررة من حوادث من هذا المستوى القذر الغريب عن الإسلام والذي تحوّل إلى ظاهرة تنذر بالفوضى العامة المُقوّضة لأمن الأمة".

وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ ابنا ــ قال عالم الدين البحريني «آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم» في خطبة صلاة الجمعة (2014/11/07) بجامع "الإمام الصادق (ع)" في "الدراز" إن "الحادث الإرهابي الآثم في الإحساء الذي استهدف المشاركين في مجلس تعزية أبي عبدالله الحسين “عليه السلام” سبط الرسول الأعظم “صلى الله عليه وآله”، وحصد من حصد من الأرواح المؤمنة البريئة وجرح من جرح، هو من أمقت ألوان العدوان الجاهلي حيث لا خلفية من دينٍ ولا عقلٍ ولا ضمير إنساني، ولا عقلانيةٍ لهذه الجريمة البشعة، وهي واحدة من سلسلة طويلة متكررة من حوادث من هذا المستوى القذر الغريب عن الإسلام والذي تحوّل إلى ظاهرة تنذر بالفوضى العامة المُقوّضة لأمن الأمة، ظاهرة عدوانية ظالمة، وإرهابٍ بهيمي يطال الشيعي والسني، والمسلم والمسيحي، ويتلذذ بالدماء المتدفقة واللحم المتناثر للأبرياء".

وأضاف آية الله قاسم أنه "ظاهرة تبتدأ أولاً بالاساءة للإسلام، بتقديم صورة زور عنه بأنه دينٌ عدواني فوضوي سفاك للدماء لا يتورّع ولا يشبع من القتل وإحداث الدماء، ويعادي الأمن والحياة، ها هي الصورة التي يقدمها الإرهاب السائد الآن عن إسلامنا العزيز الكريم. وليت حكومات المسلمين تتوقف عن تغذية هذا الإرهاب ومدّه بأسباب التوسع والقوة، ومن أبرز ذلك مواصلتها لمعاداتها لشعوبها، ومناهضتها لمطالبتها بحقوقها".

وأكد "أن ظاهرة الإرهاب بما صارت إليه من إمتداد وتوسع وقوة وقدرة على البطش، وانفلات من القيم لتمثل مأساة أمة أهدى أمة، ومأساة دينٍ أقوم دين، مأساة أخوّة أمتن أخوّة، وهي وليدٌ مشأوم لسياسةٍ ظالمة باطشة بالشعوب لا زالت تصرّ عليها حكوماتٌ عديدة من حكومات المسلمين".

وفيما يلي نص الخطبة الجمعة الثانية لسماحته:

متى نكون أنصاراً للحسين “عليه السلام”؟

متى نكون أنصاراً للحسين “عليه السلام” ومتى نكون أنصاراً ليزيد؟ أن أكون من أنصار الحسين “عليه السلام” أو أنصار يزيد راجعٌ إلى كيفية الصناعة لذاتي وانتصاري في المعركة مع نفسي أو هزيمتي فيها، لن أنصر الحسين “عليه السلام” ما غلبت لنفسي، ولن أتأخر عن نصرته ما انتصرت عليها، وكل مهزوم بنفسه مهيأ بأن يكون في معسكر يزيد.

ومعركة كربلاء ليست لمرة واحدة في التاريخ، ويوم عاشوراء ليس يوماً شاذاً من بين كل الأيام، وإنما كل أرضٍ كربلاء، وكل يومٍ عاشوراء، وعاشوراء المعركة بين الدين والكفر والتقوى والفجور على اختلاف مستوياتهما بين العقل والجهل، النفس الأمارة والنفس اللوامة في الحقيقة هي كربلاء ومعركة بين العقل والجهل، بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة، بين قيم الدنيا وقيم الآخرة، بين ارادة الخير وإرادة الشر في كل مجتمع وفي كل نفس إلا نفساً عصمها الله بعصمته.

وثورة كربلاء ثورة الدين الحق على دينٍ مغشوشٍ مزوّر ممزوج بالجاهلية، مسخّر لخدمة الطواغيت، مُخدّر للأمة، إباحيٍ إلى حدٍ كبير، مبرر للظلم، يشرّع للأثرة والنهب والاستحواذ بغير حقٍّ على الثروة، أتبحث عن دينٍ بهذا الوصف؟ إنه موجودٌ بكثرة هذه الأيام.

وثورة عقلٍ في قمة النضج والرُشد والبصيرة، على عقول قاصرة مّجة بلا رشد ولا حكمة ولا بصيرة، ثورة عقل تنّور بهدايات الله على عقول لعبت بها الجاهلية وأعمتها الشهوات وأضلّها الطغيان.

كربلاء ثورة القيم الروحية الطاهرة في أعلى طهرها ونقاوتها على قيم الطين الهابطة، والشهوات المادية المتدنّية والحيوانية والبهيمية حين تكون السيادة لها على الإنسان.

وثورة الإرادة الإيمانية الحية القوية الخيّرة على إرادة الشر في الطغاة والإرادة المسحوقة والمهزومة للأمة، أمام الرغبة والرهبة ودنيا السلطان وبطشه ونقمته.

الإرادة الخيرة ثورتها على إرادتين، إرادة حاكمٍ ظالم، وإرادة أمة مستسلمة.

وهي معركة تحاكي معركة الداخل في نفس الإنسان، والجانب من النفس جانب هذه القوى أو تلك القوى، جانب الإيجاب أو السلب المنتصر في معركة النفس، هو الذي يعيّن لي موقعي في هذا المعسكر أو ذاك المعسكر في معارك الخارج.

ومُحالٌ أن أكون المنتصر على باطل النفس، فأكون في معسكر أهل الباطل، من انتصر على باطل النفس لا يمكن أن يكون في معسكر الباطل، أو أكون المهزوم لباطلها فأكون المنتصر لجبهة الحق في ساحة الحياة الخارجية التي تعجّ بالصراع.

وما صراعات الخارج إلا تعبيرٌ عن الصراعات داخل النفوس ونتائجها عند ذلك الفريق وذلك الفريق وتجسيدٌ لها.

وإنّ بناءاً يقيمه الإنسان داخله يكون به دائماً في معسكر الحسين “عليه السلام”، ومن بين أنصاره في أي زمنٍ يعيشه الإنسان وإن كان يملك جذوره الضاربة في الفطرة والتي لا تنفصل عنها إلا أنه يحتاج إلى جهد جهيد كبير متواصلٍ حثيث لا يلتقي معه وهنٌ أو اهمالٌ أو تساهلٌ أو تقطّع أو فتور -ما لم ندم النظر للنفس ومراقبتها ومحاسبتها وما لم نحملها على ما تشتهي النفس الأمارة بالسوء فإننا لا نملك أن نكون منتصرين على أنفسنا وبالتالي لا يمكن أن نكون في معسكر الحسين “عليه السلام”-.

هتاف جموع الجماهير: لبيك يا حسين..

لذلك ومن دون مراقبة النفس ورعايتها ومحاسبتها والدفع بها وخوضها التجارب الجهادية نكون على طريق اللين والاسترخاء والانحدار مما يُفقدها القدرة على الصمود والاستجابة لما تتطلّبه مجابهة الباطل ومناهضته والثبات في خندق الحق وجبهته.

نصرة الحسين “عليه السلام” في أي زمانٍ تحتاج إلى عقل ودين وحياة روح وبصيرة عملية وخبرة بطبيعة الجبهات وإرادة وقدرة وثبات، وروح تضحية، ديناً واع قويم لا زيغ ولا تحريف فيه، وعقل نابه رشيد محتفظ ببصيرته، وخبرة بطبيعة الجبهات التي تخوض الصراع، وإرادة خيّرة ورائها نفس تعشق الحق وتنفر من الباطل ولا يلتقي معها في شعور، وقدرة ثبات أمام هول التحديات، وروح تضحية بكل ما في الدنيا، والحياة فيها في سبيل الله غير هيّابة، ولا متلكئة ولا مترددة، إنه لزادٌ كبير صعب المنال، ولا يمكن أن تتوفر عليه نفس إلا بجهاد طويل مرير، وكل ما هو من هذه العدّة الكريمة الثقيلة الغالية والعالية لا يتوفر للإنسان إلا بالإعداد والمصابرة والمجاهدة، وخوض ألوان التجارب الصعاب، وتربية حكيمة رشيدة واعية خيّرة خبيرة نظرية وعملية معها.

إنّ عقلاً مخدوعاً لا يجعلني نصيراً للحسين “عليه السلام”، ديناً مهزوزاً مضطرباً، سذاجة في التشخيص، ضحالة في معرفة جبهات الصراع، إرادة شريرة، إرادة خائرة، نفس دنيوية جشعة، آمالاً دنيوية عريضة، نفسية مرتجفة، شعوراً يركن للباطل، تعلقاً غير طبيعي للدنيا، ضعفاً أمام شهواتها، تربية غير رشيدة، أو اهمالاً تربوي، كل ذلك يبعد بأي إنسان ويحول بينه وبين أن يُقدم على نصرة الحسين “عليه السلام” واختيار معسكره، وكل ذلك إنما يدفعه لأن يكون من أنصار يزيد.

إن الإنتصار للإمام الحسين “عليه السلام” أو ليزيد لا يرجع للحظة الإختيار في الظرف الحاسم الحرج، وإنما يعود إلى حصيلة تاريخٍ طويل من تربية صالحة أو فاسدة، ومجاهدة للنفس أو اهمال.

إنّه لا يهمّ نفساً سيئة أن يُقتل الإمام الحسين “عليه السلام” ألف مرة، وأن يُقتل ألف حسين، وأن تُطمس معالم الإسلام، وأن يُهدم، وأن يُقضى على الأمة الإسلامية أو تُسترّق للغير، وأن يقف في صفوف المسلمين، وإن كان يقف صاحب هذه النفس في الصلوات الخمس لكن بعقل ونفس وإرادة وشعورٍ لا أهلية له للإستجابة للصلاة، بهداها، ووعيها، ودروسها، ومردودها الروحي والنفسي العملي الرشيد الكبير.

أيها الأخوة والأخوات، إنّ الباحثين عن الفرص الدنيوية الكبيرة -ولاحظوا الناس، ومن الناس من يبحث عن هذه الفرص- عن المناصب النفعية، المستعدين أن يبذلوا في سبيلها كل شيء، وأن يضحوا بكل شيء، وبكل الآخرين من أجلها، والباحثين عن سلامتهم ولو كان بإهلاك الأبرياء، المستعدين بأن يقتاتوا على لحوم الآخرين، وآهات وعذابات الآخرين، والمضحين بمصالح الشعوب والأمم من أجل نهمهم المادي ومصالحهم المادية، لا يمكن أن يكونوا إلا محاربين للحسين “عليه السلام”، ولا يمكن أن يكونوا في صفّه ومن أنصاره.

وكربلاء كانت مليئة بالنماذج التي لا يمكن إلا أن تخذل الحسين “عليه السلام” وتكون عدواً له، وتحاربه، كما هي مليئة بالنماذج التي لا يرشحها تكوينها العقلي والروحي والنفسي والارادي وتربيتها وطهرها ووعيها إلا بأن تكون نصرتها له “عليه السلام” وموقفها معه، وإلا أن تكون سبّاقة للتضحية في سبيل الله والذود عن دينه وكرامة الأمة.

ومن كان له فكرٌ من فكر الحسين “عليه السلام” وإيمانٌ من إيمانه، وهدىً من هداه، وبصيرة من بصيرته، من كان له إباءٌ من إباء الحسين، وغيرةٌ على الدين من غيرته، من كانت له تربيةٌ من تربيته وإرادةٌ من إرادته لا يمكن أن يقبل ولا يرضى بالهوان أو يسكت على ذل مؤمن وهوانه، وعلى أن يُساء للإسلام أو تُثلم كرامة المسلم أو أن يمارس الظلم في الأرض ويتبذخ المنكر ويستعلي وهو قادرٌ على دفعه ولو بالشهادة، والاقدام على الموت الذي لا ريب فيه.

ولماذا كان الحسين “عليه السلام” نموذجاً من النماذج الأعلى في البشرية، في التضحية والفداء، لا يوقفه عن نصرة الحق فقد الأحبة وتكالب الأعداء وقلة الناصر وموت الأمة، ولا يرى الحياة مع الظالمين إلا برماً وضجراً ومللاً وألماً، ولا يرده عن الوقوف في وجه الظالم أن يموت، ويموت كل أهل بيته وأنصاره، وأن يتيّم من يتيتم من أبناء وبنات الذرية الطاهرة، وأن تُسلب حرائر الرسالة المحمدية وأطهر بيتٍ في الأرض، ويتعرضن لما تعرضن إليه من الإذلال والدخول على يزيد وابن زياد، لماذا؟

كان الحسين “عليه السلام” بكل تلك القوة، وكل ذلك الصمود، وصلابة الموقف، والروح المثالية في التضحية والفداء لأنه يعرف الإسلام ويقدّر ويوقر الله عز وجل ويخافه ويخشاه ولا تطيق نفسه غضبه، ولا يرضى عن نفسه ما لم يرضَ عنه، ولأنه يطمع في ثوابه ويطمأن له، ويقينه كاملٌ به.

فحين نكون شيئاً من الحسين “عليه السلام”.. نكونُ شيئاً من صموده وثباته وقوته وصلابة موقفه مع الحق وفي نصرته، فحين نكون شيئاً من الحسين “عليه السلام” نجد ذلك الصمود والثبات والقوة وصلابة الموقف التي تؤهلنا لأن نقف مع الحق الوقفة اللائقة.

ولا هدى ولا نجاح، ولا ضرورة للحق، ولا نصر من النصر الصحيح للسالكين على طريق غير طريق الحسين “عليه السلام”.

الإعتداء الآثم في الإحساء:

الحادث الإرهابي الآثم في الإحساء الذي استهدف المشاركين في مجلس تعزية أبي عبدالله الحسين “عليه السلام” سبط الرسول الأعظم “صلى الله عليه وآله”، وحصد من حصد من الأرواح المؤمنة البريئة وجرح من جرح، هو من أمقت ألوان العدوان الجاهلي حيث لا خلفية من دينٍ ولا عقلٍ ولا ضمير إنساني، ولا عقلانيةٍ لهذه الجريمة البشعة، وهي واحدة من سلسلة طويلة متكررة من حوادث من هذا المستوى القذر الغريب عن الإسلام والذي تحوّل إلى ظاهرة تنذر بالفوضى العامة المُقوّضة لأمن الأمة، ظاهرة عدوانية ظالمة، وإرهابٍ بهيمي يطال الشيعي والسني، والمسلم والمسيحي، ويتلذذ بالدماء المتدفقة واللحم المتناثر للأبرياء.

ظاهرة تبتدأ أولاً بالاساءة للإسلام، بتقديم صورة زور عنه بأنه دينٌ عدواني فوضوي سفاك للدماء لا يتورّع ولا يشبع من القتل وإحداث الدماء، ويعادي الأمن والحياة، ها هي الصورة التي يقدمها الإرهاب السائد الآن عن إسلامنا العزيز الكريم.

وليت حكومات المسلمين تتوقف عن تغذية هذا الإرهاب ومدّه بأسباب التوسع والقوة، ومن أبرز ذلك مواصلتها لمعاداتها لشعوبها، ومناهضتها لمطالبتها بحقوقها.

وإن ظاهرة الإرهاب بما صارت إليه من إمتداد وتوسع وقوة وقدرة على البطش، وانفلات من القيم لتمثل مأساة أمة أهدى أمة، ومأساة دينٍ أقوم دين، مأساة أخوّة أمتن أخوّة، وهي وليدٌ مشأوم لسياسةٍ ظالمة باطشة بالشعوب لا زالت تصرّ عليها حكوماتٌ عديدة من حكومات المسلمين.

نعزي الأخوة الكرام الأعزاء في الإحساء وكل الشعب السعودي الشقيق، رحم الله شهداء الإحساء وكل الشهداء المسلمين، وعوضهم بالجنة والرضوان، وشفى جرحى هذا الحادث الأليم وكل الجرحى في سبيل الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

................

انتهى/212

سمات